Email: alrafedein@hotmail.com
اهداف السياسة الخارجية العراقية من منظور جيو سياسي       الزواج : بعض تعريفاته السوسيولوجية و مقدّمات أوّلية       المنهجية السليمة لمعالجة...ظاهرة الانحراف       أبو ذر الغفاري - الكاتب : العلامة الشيخ عبد الحسين الأميني (قدس سره)       الدعوة إلى العامية في التعليم بين البيداغوجي و الإيديولوجي - د. إدريس جندا ري       أجمل قصور صدام يتحول إلى مدينة أشباح مع استعداد الأميركي لإخلائه       الغدير ... في منظورها الاسلامي // علي الكندي       توظيف التكنولوجيا في تعزيز نزاهة العملية الانتخابية.       دراسات في اقتصاديات البحر .       السِياسَةْ والمَدَنِيَّة في الإسْلامْ - صفاء الهندي       ثقافة الكراهية والموقف من الآخر / محمد محفوظ       الإدارة «علم - مهارة - فن»       الإنسان - كتاب کتبت صفحاته ومضت بلاعودة // د.كامل الهاشمي       التكامل الاقتصادي العربي في مواجهة التحديات // بقلم : عبد الرحمن تيشوري       لماذا قيل: اِنّ شهر رمضان هو ليلة القدر؟.       دراسة ( العرب والتطور الحضارى ) - الواقع والازمة بقلم الكاتب / طارق فايز العجاوى       رائحة الفم الكريهة تزعج الملايين وعلاجها سهل       التنمية الزراعية في العراق - د.خالد العبيدي       العراق والفرصة التاريخية... البحث عن إستراتيجية // علي الطالقاني       البعث يدَّعي إعلان الحرب على داعش!       النزعة الانسانية في الفلسفة العقلية       الخلافات العراقية الكويتية - ودور المملكة السعودية في تأجيجها ؟.       بناء الكعبة المشرفة - نبذة عن مكة المكرمة ؟       دراسة حول موجبات الاتحاد الخليجي.. وتحديات السياسة       ازمة البحث العلمي .. والتنمية       ما الذي أفشل النخب السياسية العربية وجعلها عاجزة؟ - د. رياض الصيداوي       إنهيار منظومة الوعي العربي // الاستاذ الدكتور وليد سعيد البياتي       أزمة أردوغان - من تقسيم إلى سوما.       دراسة حول الكورتيزون ؟       ولاية الله / اية الله الشيخ مهدي الاصفي       
   

     أقسام المركز

New Page 2

     إصدارات المركز













المزيد...


المشاركات تعبر عن وجهات نظر اصحابها


مركزالرافدين للبحوث والدراسات الإستراتيجية » أقسام الدراسات » بحوث و دراسات ثقافية


الخطــاب المقدماتــي // د.جميل حمداوي



توطئـــة:

تعد المقدمة من أهم العتبات والمصاحبات التي تحيط بالنص أو العمل الأدبي، إلى جانب الإهداء، والمقتبس، والعنوان، والهامش...وغالبا ما تكون المقدمة في مستهل العمل الإبداعي أو الأدبي أو الوصفي. وقد تكون المقدمة من تدبيج الكاتب نفسه، فتسمى مقدمة أو توطئة أو افتتاحية أو تمهيدا أو استهلالا أو تصديرا، أو تكون مكتوبة من قبل الآخرين، فتسمى بالتقديم أو التقريظ.ولاغرو أن تكون للمقدمة أهمية كبيرة، لا يمكن إنكارها بأي حال من الأحوال، تتمثل في إضاءة النص فهما وتفسيرا، وتشريحه تفكيكا وتركيبا، بل تتحول المقدمة إلى شهادة أو اعتراف أو تصريح، أو تكون وثيقة تجارية وإشهارية، أو دراسة نقدية توضح دلالات عمل الأديب أو المبدع ، فتبين فنياته الجمالية، ثم تشرح دوافع الكتابة، ونشأتها، ومراحلها المتعاقبة، ومختلف أدوارها. وقد تكون تلك المقدمة بمثابة خطاب مواز أو مصاحب، يشرح فيها المقدم إيجابيات العمل دلالة وصياغة، أو يقدم فيها المقدم بعض التوجيهات التقويمية أو النصائح التي تسعف الباحث في تطوير كتابته في الحاضر والمستقبل معا. ومن هنا، فالمقدمة لها أهمية كبيرة في تحليل الأثر الأدبي، وتأويله، وتفسيره من الداخل والخارج.إذا، ماهي المقدمة؟ وما تاريخها الغربي والعربي؟ وما هي أهميتها؟ وماهي أنواعها؟ وماهي مقوماتها؟ وماهي أهم الدراسات التي تناولت المقدمة بالتحليل والدرس؟ وكيف يمكن مقاربة المقدمة في ضوء شعرية النص الأدبي؟ تلكم هي أهم الأسئلة المطروحة التي سوف نحاول رصدها في موضوعنا هذا.

مفهـــوم المقدمـــة:

تعرف المقدمة في اللغة بأنها أول الشيء، ومستهله، وأنها تقع في صدارة الكلام. وفي هذا الإطار، يقول ابن منظور في لسان العرب:" مقدمة الكتاب ومقدمة الكلام، بكسر الدال، ... وقد تفتح.ومقدمة الإبل والخيل ومقدمتهما؛ ... أول ما ينتج منهما ويلقح، وقيل: مقدمة كل شيء أوله، ومقدم كل شيء نقيض مؤخره.ويقال ضرب مقدم وجهه... والمقدمة: الناصية والجبهة"[1]

وهكذا، فالمقدمة هي التي تقع في بداية الكلام ، ويستهل بها المؤلف مصنفه. ومن ثم، فالمقدمة في الاصطلاح هي ذلك النص أو الخطاب الذي يتصدر به الكتاب، أو يفتتح به العمل الأدبي، وقد يكون في بداية الأثر الأدبي أو العمل الوصفي، فيسمى فاتحة، أو قد يكون في وسطه، فيسمى شاهدا، أو في آخره، فيسمى تذييلا أو ملحقا. وقد تسمى المقدمة استهلالا، أو افتتاحية، أو خطبة، أو تقديما، أو حاشية، أو خلاصة، أو مطلعا، أو مدخلا، أو تمهيدا، أو توطئة، أو ديباجة، أو فاتحة، أو تصديرا، أو عتبة...إلخ. وإن كان هناك فوارق دقيقة بين هذه المصطلحات، حيث يشكل الاستهلال جزءا من المتن الداخلي.في حين، تعد المقدمة نصا افتتاحيا مستقلا بنفسه.وإذا كانت المقدمة فعلا إنتاجيا ذاتيا، فالتقديم هو إنتاج غيري.أما التمهيد والمدخل، فعلاقتهما بالبحوث الوصفية والعلمية أكثر من علاقتهما بالآثار الإبداعية. وقد يحمل الخطاب المقدماتي عنوانا هوياتيا خاصا به أو عاما ، يدل على مضامينه وأشكاله، أو يكون غفلا منه.

هذا، وتنماز المقدمة أيضا بكونها نصا افتتاحيا نثريا وخطابيا، يتموقع في بداية الكتاب، أو في وسطه كما هو حال رواية(تريسترام شاندي لشتيرن(Sterne))، أو في نهايته، أو قد يكون جزءا لا يتجزأ من المتن، كما هو شأن أغلب المؤلفات الكلاسيكية إبان اليونان والرومان والعصور الوسطى، أو قد تكون بمثابة فقرة استشهادية فوق ظهر الغلاف الخارجي الخلفي.بيد أن المقدمة لا تكون دائما نثرية وصفية، فقد تكون مقدمة إبداعية: إما شعرية ، وإما درامية ، وإما سردية، تتوافر فيها المقومات القصصية: من حبكة، وتزمين، وتفضية، وأسلبة.

وعليه، فالتقديم هو جنس أدبي حديث، يحيط بالنص من الداخل، وهو بمثابة عنوان استهلالي مدخلي، يعلن الإبداع، ويعرفه، ويحدد مرتكزاته الأساسية، ويبين خصائصه البنيوية، ويوضح رؤية المبدع للعالم، فيبرز تصوره الفلسفي للوجود، ثم يستعرض مفهوم الكاتب حول ماهية الإبداع، ووظيفته، وعناصره. ويعني هذا أن التقديم خطاب فوقي بامتياز. وبالتالي، فهو عبارة عن قراءة عنوانية لمضامين النصوص الإبداعية أو الوصفية بناء ودلالة ومقصدية.

مقــومات المقدمــة:

تتخذ المقدمة طابع خطاب استفتاحي مستقل في مستهل العمل أو الأثر الأدبي، حيث يحدد فيها المبدع أو الكاتب أو الناشر دوافع الكتابة، وحيثيات الطبع والنشر والتوزيع والاستهلاك، وظروف الإبداع، مع الإشارة إلى بعض الأحداث النفسية والسوسيوتاريخية، التي تحكمت في نصه الشعري أو النثري . كما تستكشف المقدمة الدوافع الذاتية والموضوعية التي حفزت الكاتب على الكتابة والإبداع، مع الإشارة إلى الظروف التي تمت فيها عملية الكتابة، واستعراض مختلف المصادر والمراجع التي اعتمد عليها ، وتبيان المنهجية أو الطريقة التي ارتضاها في مصنفه، والتلميح إلى المشاكل والعراقيل التي واجهته أثناء ممارسة الكتابة. أي: يعلن الكاتب خطوات نشأة عمله الوصفي أو الإبداعي، وتحديد مراحل تكونه وتفتقه ، وخروجه إلى حيز الوجود، بعد أن كان مخطوطا أو مسودة.ومن ثم، تحضر مجموعة من العناصر الرئيسة في المقدمة، كالكاتب، والمقدم الضمني، والقارئ الافتراضي، والنص المقدم، والرسالة ، والقالب الوصفي أو الإبداعي، وسياق الكتابة ، سواء أكان زمانا أم مكانا أم حدثا أم رهانا...

هذا، وقد يكون المقدم كاتبا حقيقيا أو مفترضا أو مجهولا، أو قد يكون مبدعا، أو ناقدا، أو ناشرا، أو موزعا، أو مشرفا، أو موقعا، أو معلقا، أو شاهدا. ومن ناحية أخرى، قد يكون فردا أو جماعة، أو يكون تقديما مشتركا بين الذات والغير... وقد يكون المتلقي كاتبا، أو مبدعا، أو ناقدا، أو وسيطا، أو قارئا حقيقيا أو افتراضيا، عاديا أو نموذجيا، وقد يكون هو المهدى إليه...

وعلى العموم، تتضمن المقدمة مجموعة من البنيات الأساسية، كبنية التعريف، وبنية النشأة والتكون، وبنية الشهادة، وبنية السياق، وبنية النقد، وبنية التقريظ، وبنية السجال، وبنية الاستعراض والاستكشاف. ويعني كل هذا أن المقدمة تستعرض القضايا الدلالية والفنية والجمالية والمقاصد المرجعية والتداولية. ومن جهة أخرى، تقدم قراءة ذاتية أو موضوعية في شكل شهادة، أو وصف نقدي أو تقريظي، مع تبيان ظروف الكتابة، وتحديد أهدافها الخاصة والعامة.

أهميـــة المقدمـــة:

من المعلوم أن للمقدمة أهمية كبرى في استكشاف عوالم النص الكبرى والصغرى، واستقرائه بنية ودلالة ووظيفة وسياقا. ويعني هذا أن المقدمة تساعد المتلقي الضمني أو النموذجي على فهم النص فهما عميقا، وتفسيره إضاءة ومرجعا وتأويلا.أي: تسعف المقدمة الباحث أو النقاد في معرفة تكون العمل الأدبي، منذ أن كان مسودة ومخطوطة إلى أن يصير كتابا بين يدي المتلقي. كما تطلعنا المقدمة على دوافع العمل الذاتية والموضوعية، ومجمل الحيثيات الزمانية والمكانية المتعلقة بإنتاج هذا العمل، مع تبيان القضايا الدلالية والنقدية التي يزخر بها هذا الأثر ، والإشارة إلى مكوناته الفنية والجمالية والمنهجية. وتتمثل أهمية المقدمة كذلك في كونها شهادة توثيقية، تضيء مكونات العمل الأدبي، وتستعرض مختلف تفاصيله الجزئية أو العامة، تعليقا وملاحظة وتعقيبا وتجنيسا وسجالا...

وهكذا، فللمقدمة أهمية كبرى في استنطاق النص المحيط: فهما وشرحا؛ وهي تساعد القارئ على استكشاف أغوار النص، واستقراء خلفياته المعرفية والإيديولوجية. ومن هنا، فللمقدمة أهمية فكرية، ونقدية، وأكاديمية، واجتماعية، وأخلاقية، وإيديولوجية، وتوثيقية، وإشهارية، وإعلانية، ونصية...

وظائـــف المقدمـــة:

من المعلوم، أن للتقديم وظائف عدة، تختلف من تقديم لآخر، أو قد تتشابه مع بعضها البعض، دون أن ننسى، أن هناك أعمالا أدبية وإبداعية ووصفية لا تتوفر على مقدمات أو عناوين تقديمية. وفي هذا السياق، يقول محمد بنيس: «وهذه مناسبة لنقول مع جنيت أن للتقديم وظائف عديدة، تختلف من تقديم لتقديم أو تتشابه في بعضها، من غير تناس لعدم توفر دواوين وكتب على مقدمات»[2].

وهكذا، يرى جيرار جنيت(Gérard (Genette) بأن «للتقديم الأصلي وظيفة مركزية تتمثل في ضمان قراءة حسنة للنص. هذه الوظيفة الساذجة أعقد مما يمكن تخليه فيها؛ لأنها تسمح بالتحليل إلى فعلين: أوله يشرط، من غير ضمانة، والثاني كشرط أساسي، وليس كافيا:

1 – الوصول إلى قراءة.

2 – الوصول إلى أن تكون هذه القراءة حسنة»[3].

ومن هنا، فوظيفة التقديم هي ضمان القراءة الحسنة والجيدة للإبداع المقرر، أنه يوجه القراءة مسبقا، ويمد القارئ بخيوط دلالية، قد تسعفه في فهم النص، وتقبله جماليا وفنيا.

ويعني هذا أن للتقديم وظيفة تكوينية، عندما يقدم لنا نظرة عامة مقتضبة أو موسعة حول نشأة العمل وأصله، والإشارة إلى مراحل تكونه وخلقه وانبثاقه من رحم الخيال، إلى أن يصير عملا حقيقيا مجسدا في الواقع. كما للتقديم وظيفة تقويمية، حينما تكون المقدمة نقدية، تنصب على جوانب النص أو الأثر دلالة وشكلا ووظيفة بالقراءة، والتحليل، والوصف، والتقويم، والتوجيه. وللمقدمة أيضا وظيفة توثيقية، حينما تتخذ طابع شهادة، أو تحمل علامات سياقية، كأن تشير إلى الكاتب أو المتلقي أو تاريخ الكتابة ومكان التقديم. ولا ننسى أيضا الوظائف الأخرى للمقدمة، كالوظيفة التفسيرية للعمل الأدبي، وذلك في ضوء المعطيات المرجعية، والوظيفة التأويلية ، والوظيفة الإيديولوجية، والوظيفة الجمالية التي تبحث عن المقومات الفنية التي تستند إليها المقدمة الإبداعية. وقد تتضمن المقدمة وظيفة تجنيسية، عندما يكون الهدف من المقدمة هو تجنيس النص أو العمل الأدبي، أو تكون لها وظيفة تعريفية، تهدف إلى التعريف بالكاتب أو العمل معا. وللتقديم أيضا وظيفة التعليق، والملاحظة، والتقويم، والإعلان، والإشهار، والإخبار، والاستفتاح، والتذييل، والتوثيق، والتبليغ، والتأثير...[4]

تاريـــخ المقدمــة:

من يتتبع تاريخ مسار النص الموازي في تعاقبه المرحلي، فسيخرج بنتيجة أساسية ألا وهي أن عتبتي المؤلف والعنوان ضروريتان. في حين، لم تكن عتبة المقدمة أو التقديم ضرورية بالمفهوم الإلزامي، إذ وصلتنا مجموعة من الكتب الكلاسيكية لا توجد فيها مقدمات بشكل عام، لاهي مقدمات ذاتية، ولا هي مقدمات غيرية. ويعني هذا أن المقدمة فعل مطبعي لاحق، وذلك بالمقارنة مع عتبتي العنوان والمؤلف[5].

 المقدمة في الثقافــة الغربيــة:

يرى جيرار جنيت - في كتابه: (العتبات)- بأن المقدمة لم تظهر –حسب رأيه- إلا في القرن السادس عشر الميلادي[6].ومن ثم، فإن ماكتب من مقدمات قبل هذه الفترة، وذلك من هوميروس إلى رابليه، يشكل جزءا من المتن.لذا، تسمى هذه الافتتاحية الداخلية بالمقدمة المدمجة أو المقدمة المتصلة. بمعنى أن المقدمة هي تلك الأسطر الأولى أو الصفحات الأولى من المتن أو النص الرئيس.وإذا تصفحنا بعض الملاحم اليونانية والرومانية، مثل: الإلياذة والأوديسة لهوميروس، والإنيادة لفرجيل، فقد كانت المقدمة مدمجة داخل النص أو المتن الإبداعي، كما كانت رواية (التحولات أو الحمار الذهبي) لأفولاي تمزج داخل المتن بين التصدير والسرد.ويعني هذا أن ثمة نوعين من المقدمة في الثقافة الغربية: مقدمة متصلة ومقدمة منفصلة، أو مقدمة مدمجة ومقدمة مستقلة. وفي هذا السياق، يقول شعيب حليفي:" ترتبط الخطابات المتصلة بظهورها المبكر مع الملاحم والكتابات الأولى، التي كانت توجد فيها المقدمة باعتبارها نصا لغويا مرتبطا، لكن هذا النوع سرعان ما تلاشى، وصارت المقدمة شيئا منفصلا شكلا، كما ظلت، في عمقها، مرتبطة بالنص، وقد أتاح لها هذا الانفصال إمكانية توسيع الخطاب، وفتح كوى أخرى في اتجاهات تقترب من الموضوع، ولهذين الخطابين شراكة في الهدف الوظيفي، وإن كان الخطاب المنفصل هو الذي سيظل مهيمنا حتى عصر الرواية الراهن."[7]

وأكثر من هذا، يجب ألا نخلط بين المقدمة والبرولوج(Prologue) في المسرح؛ لأن البرولوج جزء لا يتجزأ من العمل المسرحي، فقد ارتبط بنيويا بالراوي الذي يعلن الحدث، ويقدم الشخصيات والفضاءات. وبعد ذلك، يأتي الحوار أو المنولوج، لتنتهي المسرحية بخاتمة أو ما يسمى أيضا بالإيبيلوج(Epilogue).بينما لم تظهر المقدمة في أوروبا، بمفهومها الحقيقي، إلا مع ظهور الكتاب المطبوع، فأصبحت المقدمة خطابا مستقلا بذاته، يتميز طباعة وموقعا عن النص الداخلي أو المتن الرئيس. وبالتالي، فقد كثرت المقدمات في الثقافة الغربية، سواء أكانت ذاتية أم غيرية، في القرنين: التاسع عشر والعشرين، وذلك بشكل موسع ومطرد.

 المقدمة في الثقافــة العربيــة:

عرفت الثقافة العربية عتبة المقدمة منذ وقت مبكر، بالمقارنة مع الثقافة الغربية.وفي هذا الصدد، يقول مصطفى سلوي:" والذي يولي التراث التأليفي عند الأمة العربية الإسلامية ظهره، يقطع قطعا جازما لا شك من بعده أن ما جاء به الأستاذ(جنيت) فتح جديد، نهج مبين في التعرف على هذه المكونات وجمعها وترتيبها لم يسبق إليه أحد.إلا أن الذي يمارس ما يمكن أن ندعوه بحفريات التراث، فإنه يقف على كم هائل من التنظير والتطبيقات التي خص بها العلماء المسلمون القدامى هذا الذي ندعوه بـ(العتبات) أو(المصاحبات).هم لم يستخدموا هذه المكونات، التي جمعوا منها أكثر ما جمعه صاحب كتاب(العتبات)، بالفهم نفسه الذي جاء به المؤلف؛ وهو أن تكون عبارة عن مفاتيح في قراءة النصوص ، وفهم صناعة التأليف منذ انطلاقتها الأولى عند المؤلف إلى غاية وصولها بين يدي القارئ، مرورا بمكونات النشر ، وما تستلزمه هذه المرحلة من طقوس وقواعد. إلا أن كتاباتهم التنظيرية والتطبيقية في الموضوع تقدم مسحا واسعا لهذه المكونات. بالإضافة إلى وعي منظم بكيفية استخدامها وترتيبها ووظائفها. وفي ما ألفه الإمام الصولي والجواليقي والقلقشندي من تنظيرات تتعلق بالموضوع ما يؤكد إحاطة القدماء بهذا الموضوع؛ على الأقل من جهة المؤلف، إن لم يكن من جهة القارئ المهتم الذي يعمل على تفكيك عناصر التأليف انطلاقا من هذه العتبات.أما الممارسة التطبيقية التي جاءت عليها تآليف القدماء، فلا يخلو كتاب من الكتب التي ألفها العلماء المسلمون القدامى في شتى فروع المعرفة من الإلمام بهذه المكونات فهما وترتيبا وتوظيفا.نجد هذا في أشكال المقدمات ومكوناتها، كما نجده في عنوان الكتاب، واسم المؤلف، والإهداء، والعناوين الداخلية.

ولابد هنا من الإشارة إلى أمر، وهو أن العلماء المسلمين القدامى مارسوا صنعة التأليف في اللغة والنحو والعروض والبلاغة والفقه والأصول والتفسير والأدب والنقد وشروح الشعر وغير ذلك، على أساس أنها جميعا من الأشكال الإبداعية.في حين، تقتصر هذه الكلمة في وقتنا الحاضر على القصة والرواية والمسرحية والشعر. من هنا، كانت المصاحبات جزءا لا يتجزأ من الشكل التأليفي الذي يأتي به الكاتب أيا كان مجال اهتمامه أو نوعه أو شكله."[8]

وعلى أي حال، فكثيرة هي الكتب التي كانت مصدرة بمقدمات ذاتية أو غيرية. وقد بدأ التصدير في الثقافة العربية مع انتشار الكتابة، وازدهار التأليف في العصر العباسي منذ القرن الثالث الهجري، وقد كانت المقدمة تسمى خطبة، وديباجة، وفاتحة، وتمهيدا، واستهلالا، وتصديرا...ومن أهم الكتب التي كانت تتضمن مقدمات افتتاحية، نذكر منها: كتاب (طبقات فحول الشعراء) لمحمد بن سلام الجمحي[9]، ومقدمة كتاب (الشعر والشعراء) لابن قتيبة[10]، ومقدمة كتاب (شرح ديوان الحماسة) لأبي علي المرزوقي[11]، ومقدمة ابن خلدون لتاريخه المسمى بكتاب العبر ، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر[12].

وعليه، فلقد كان الخطاب المقدماتي :"حاضرا بشكل مكثف في المؤلفات النقدية باعتباره سنة واجبة، وضرورة لها شروطها ومواصفاتها التي تختلف، كليا، عن شروط المقدمات الحديثة، فيما كان الخطاب التاريخي، كما عرف عند ابن خلدون والطبري والمسعودي، وباقي المؤرخين، يتلبس شكل المدخل، كما تحدث عنه جاك دريدا، إذ يقدم رسالته في شكل تنبيه للقارئ من أغاليط المؤرخين الآخرين، ثم التمهيد ببسط منهجه في التعامل والكتابة. وهي تستند إلى البحث والاستقراء أكثر من السماع. في حين، إن المقدمة في الخطاب العلمي ترد في مؤلفات الفلك والترجمات الفلسفية، وكتب الرياضيات، وباقي العلوم المجردة التي تعتمد التمهيد الدقيق والمختصر."[13]

وعلى العموم، فقد كانت المقدمة في الثقافة العربية القديمة بمثابة خطبة استهلالية، قد تكون مقتضبة أو موسعة أو لاحقة. ومن ثم، فقد كانت ترتكز على ثلاثة محاور بارزة: أولها، أسباب الكتابة ودواعيها ودوافعها وأهدافها. وثانيها، تحديد المتلقي أو المرسل إليه الذي يمكن أن يكون سلطانا أو خليفة أو أميرا أو كبير علية القوم، أو قارئا متلقيا عاما أو خاصا... وثالثها، تبيان الكيفية أو الطريقة التي ألف بها العمل. ويعني هذا أن هناك ثلاثة أسئلة جوهرية: سؤال لماذا ألف هذا الكتاب؟ وسؤال لمن ألف هذا الكتاب؟ وسؤال كيف ألف هذا الكتاب؟

هذا، وتتضمن الخطبة أو المقدمة الافتتاحية في الكتب والمؤلفات التراثية البسملة والحمدلة والتصلية والتسليم، والإشارة إلى دواعي الكتابة الذاتية منها والموضوعية، وتبيان جنس المؤلف وخطته المنهجية، وتحديد المصادر والمراجع التي اعتمد عليها الكاتب المؤلف، وتقريظ المصنف، ونقد المصادر السابقة ، وتعيين زمان الكتابة ومكانها، والاختتام بالحمدلة والشكر[14].

أما في الثقافة العربية القديمة والحديثة، فقد «سار كل من البارودي وشوقي على سنة عربية قديمة في تقديم الشعراء لدواوينهم. ولربما كان أبو العلاء المعري من بين أوائل الشعراء العرب القدماء الذين وضعوا تقديما، ونذكر – هنا- تقديمه لكل من سقط الزند ولزوم ما لا يلزم، وهي السنة التي اتبعها الشعراء الآخرون عبر العصور المتوالية»[15].

هذا، وقد ظهرت العديد من الروايات العربية الحديثة ، منذ منتصف القرن التاسع عشر ، مصدرة بمقدمات تشرح نظرية الرواية، مثل روايات فرح أنطون(الدين والعلم والمال أو المدن الثلاث)، ومحمود طاهر حقي في رواية:(عذراء دنشواي)، وعيسى عبيد في رواية:(إحسان هانم)، وجورجي زيدان في رواياته التاريخية، لاسيما روايته (الحجاج بن يوسف)، حيث يقول في مقدمتها ما نصه: " قد رأينا بالاختبار أن نشر التاريخ على أسلوب الرواية أفضل وسيلة لترغيب الناس في مطالعته، والاستفادة منه ، و خصوصا، و أننا نتوخى جهدنا في أن يكون التاريخ حاكما على الرواية ، لا هي عليه ، كما فعل بعض كتبة الإفرنج، و منهم من جعل غرضه الأول تأليف الرواية، و إنما جاء بالحقائق التاريخية لإلباس الرواية ثوب الحقيقة، فيجره ذلك إلى التساهل في سرد الحوادث بما يضل القراء.

و أما نحن، فالعمدة في روايتنا على التاريخ، و إنما نأتي بحوادث الرواية تشويقا للمطالعين. فتبقى الحوادث التاريخية على حالها، وندمج في مجالها قصة غرامية تشوق المطالع إلى استتمام قراءتها، فيصبح الاعتماد على ما يجيء في الروايات من حوادث التاريخ : مثل الاعتماد على أي كتاب من كتب التاريخ من حيث الزمان و المكان و الأشخاص إلى ما تقتضيه من التوسع في الوصف ، مما لا تأثير له على وصف العادات و الأخلاق .....إن الروائي المؤرخ لا يكفيه تقرير الحقيقة التاريخية الموجودة ، و إنما يوضحها و يزيدها رونقا من آداب العصر و أخلاق أهله وعاداتهم، حتى يخيل للقراء أنه عاصر أبطال الرواية، و عاشرهم، و شهد مجالسهم و مواكبها واحتفالاتهم ، شأن المصور المتفنن في تصوير حادثة يشغل ذكرها في التاريخ سطرا أو سطرين، فيشغل هو في تصويرها عاما أو عامين . فمقتل جعفر البرمكي عبر عنه المؤرخ ببعض كلمات ، أما المصور فلا يستطيع تصويره، إلا إذا كان مطلعا على عادات ذلك العصر، و طبائع أهله ، و أشكال ملابسهم وألوانها ، و ضروب الفرس وأشكال الأسلحة، ليمثل كلا من القاتل و المقتول بقيافته و شكله، و ينبغي له أن يكون عالما بانفعالات النفس، و ما يبدو من آثارها على الوجه أو في حركات الجسم ، ليمثل غضب القاتل أو شراسته ، و خوف المقتول و كآبته ، غير ما تقتضيه الصناعة من تصوير مكان الواقع ، إن كان غرفة أو شارعا أو بادية أو حديقة، و الزمان الذي وقعت فيه . و إن كان صباحا أو أصيلا أو عشاء، و لكل من هذه الأحوال أشكال و ألوان لا يتم جمال الصورة إلا بإتقانها. و ذلك شأن الروائي بالنظر إلى التاريخ، فهو يمثل تلك الأحوال، أو يصور أشكالها و ألوانها بالألفاظ من عند نفسه ، فيوشح الحادثة التاريخية بخلاصة درسه الطويل في آداب القوم و عاداتهم و أخلاقهم، و التفطن لأثار العواطف في مظاهرهم ، مع بيان ما يحف بتلك الحادثة المعاصرة، و يطابق وضعه نظام الاجتماع و أحوال العائلة، و إذا رجع المطالع إلى تحقيق الحوادث التاريخية على جمالها و جدها حقيقة ثابتة ، و ذلك ما توخيناه في سائر رواياتنا" [16].

وثمة كتب اهتمت بجمع مقدمات الرواية، كما فعل محمد كامل الخطيب في كتابه: (نظرية الرواية)[17]. ومن جهة أخرى، ظهرت مؤلفات ومصنفات عديدة في مختلف الأجناس والأنواع الأدبية، مصدرة بمقدمات ذاتية أو غيرية أو مشتركة. في حين، نلفي مؤلفات أخرى بدون مقدمات أو افتتاحيات.

وعليه، فلقد أصبح التقديم في الثقافة العربية، قديمها وحديثها، سنة متبعة، شعرا، وسردا، ومسرحية، ونقدا، بل أصبح تقليدا متبعا حتى في الكتب العلمية والأكاديمية إلى يومنا هذا؛ إذ يشترط في كل بحث أو كتاب أو دراسة أو رسالة أو أطروحة جامعية أن يكون في مستهله (أو مستهلها) مقدمة افتتاحية جامعة ومفصلة، تبين خطوات العمل، وتبرز قضاياه الدلالية والمنهجية والاصطلاحية.

وعلى الرغم من هذا الاهتمام الكبير بالتقديم، فإنه مايزال يفتقد إلى دراسة تاريخية مفصلة ضمن مختلف الأجناس الأدبية: شعرا، وسردا، ومسرحية، ونقدا...

أهم الدراسات التي تناولت المقدمة:

ثمة العديد من الدراسات النظرية والتطبيقية التي تناولت المقدمة بالتأريخ، والدراسة، والتحليل، والتنظير، والتطبيق، سواء أكان ذلك في الثقافة الغربية أم في الثقافة العربية. ومن أهم الكتابات الغربية في هذا المجال، نستحضر ما كتبه كل من: جيرار جنيت (G.Genette) في كتابيه: (الأطراس)[18] و (العتبات) [19]، وميشيل شارل(M. Charles) في : ( بلاغة القراءة)[20]، وجاك دريدا(J.Derrida) [21]، وكلود دوشيه(C.Duchet)[22]، وفليب هامون(P.Hamon)[23]، وهنري ميتران(Henri Metterand)[24]، وجونفييف(Geneviève)[25]، وسيمون لوكوانتر ( Le Cointre S.) وجان ليكالو(J.Legallot)[26]، وأورا أفني(Ora Avni)[27]، وكولار باتريك(C.Patrick)[28]، ...إلخ[29].

أما على المستوى العربي، فيمكن الإشارة إلى الدراسات والأبحاث التي كتبها كل من: محمد بنيس في كتابه: (التقليدية)[30]، وعبد الفتاح الحجمري في:(عتبات النص: البنية والدلالة)[31]، و عبد الرحيم العلام في مقاله:(الخطاب المقدماتي في الرواية المغربية)[32]، وعبد الحق بلعايد في:( عتبات)[33]، وشعيب حليفي في : (هوية العلامات)[34]، والسعدية الشادلي في:(مقاربة الخطاب المقدماتي الروائي)[35]، ونبيل منصر في: (الخطاب الموازي للقصيدة العربية المعاصرة)[36]، وعبد الرزاق بلال في : (مدخل إلى عتبات النص)[37]، وعبد العالي بوطيب في مقاله:(برج السعود- وإشكالية العلاقة بين الروائي والتاريخي)[38]، ومصطفى سلوي في كتابه:(عتبات)[39]...

أنــواع المقدمــات:

يمكن الحديث عن أنواع عدة من المقدمات التي يتم بها الاستفتاح.فهناك المقدمة الذاتية، والمقدمة الغيرية، والمقدمة المشتركة، والمقدمة الأصلية، والمقدمة اللاحقة، والمقدمة المتأخرة، والمقدمة التقريظية، والمقدمة النقدية، ومقدمة الشهادة، والمقدمة الموازية أو المصاحبة، والمقدمة السجالية، والمقدمة المتصلة و المنفصلة...

ومن هنا، فالمقدمة الذاتية هي التي يكتبها الكاتب أو المبدع بنفسه، والمقدمة الغيرية هي التي يكتبها الآخر، وغالبا ما يكون ناقدا أو باحثا دارسا، والمقدمة المشتركة هي التي يشترك فيها الكاتب مع الغير...أما المقدمة الأصلية فهي التي تلتصق بالكتاب منذ الطبعة الأولى.في حين، تعتبر المقدمة اللاحقة هي تلك المقدمة التي تلحق بالكتاب في الطبعة الثانية أو الثالثة أو الرابعة...أما المقدمة المتأخرة فهي التي تكون في الطبعة الأخيرة أو في الطبعة النهائية.ومن جهة أخرى، قد تكون المقدمة تقريظية فيها من الثناء والشكر والصداقة والعاطفة الشيء الكثير. وهي مقدمة: " تجارية وإشهارية، تتوخى توجيه القارئ مع إعطائه حكما مسبقا على قراءته، هذا النوع من المقدمات، يحول دفة المعنى الذي قد يؤوله المتلقي إلى الجهة التي يريدها المؤلف.وهو النوع الذي يكتبه الناشر في غالب الأحيان.[40]". في حين، تكون المقدمة النقدية خطابا وصفيا تقويميا موضوعيا، عبارة عن قراءة تحليلية تركيبية، تمس الجوانب الدلالية والشكلية والفنية والمقصدية. وقد تكون المقدمة شهادة إبداعية أو وصفية، يقدم فيها الكاتب منظوره الشخصي حول الكتابة والإنسان والعالم.وهناك أيضا المقدمة المختفية التي تغيب في طبعات معينة لتظهر حينا أو تغيب آنيا.ومن جهة أخرى، هناك المقدمة المعوضة أو المستبدلة التي تعوض مقدمة سابقة لم يرض عليها الكاتب، فيقرر استبدالها بمقدمة أخرى. ويمكن إدراج هذه المقدمة بشكل من الأشكال ضمن المقدمة اللاحقة أو المتأخرة.

ويمكن الحديث أيضا عن المقدمة الافتتاحية، ومقدمة الملحق التي تكون في آخر الكتاب بمثابة ملحق بالنص الرئيس، وتسمى بالتذييل. ويمكن الحديث أيضا عن المقدمة المقتضبة والمقدمة الموسعة المسهبة، أو المقدمة الذاتية والموضوعية، أو المقدمة الوصفية و الإبداعية.أما المقدمة المتصلة فهي التي توجد في متن الكتاب أو في بدايته، كما يتجلى ذلك واضحا في الملاحم اليونانية، فتكون جزءا من النص الرئيس. بينما تكون المقدمة المستقلة منفصلة عن الكتاب، وتوضع خارج النص أو المتن، باعتبارها خطابا مستقلا، له خصوصياته الدلالية والفنية والوظيفية. وهناك أيضا المقدمة المصاحبة أو الموازية، فهي التي :" تكون مستقلة ومباشرة، توجه انتباهنا للتيمات والأسئلة المطروحة، وهذا النوع الأخير من المقدمات هو الخطاب الذي يمتلك الأدوات التي تقترب بشكل مباشر من المتلقي، حيث إن المقدمة التي يكتبها ناقد ما، والمفصولة عن الرواية، لاتبحث عن غير النص."[41]

وتحمل المقدمة السجالية في طياتها سجالا نقديا، وغالبا ما يكون ذاتيا ، ويرد في شكل ردود حوارية، فيها من الانفعالية الشيء الكثير، كما يظهر ذلك جليا في كتاب : (الاحتفالية مواقف ومواقف مضادة) لعبد الكريم برشيد، حيث يقول في فاتحة الكتاب:"إن هذا الكتاب، في رده على عينة خاصة من النقد المسرحي، وفي نقاشه الحاد لأسماء كثيرة فيه؛ أسماء تمارس المعارضة الوحشية والبدائية والفوضوية، سواء في الأدب أم في الفن أم في الفكر أم في الحياة اليومية، يجد نفسه في وضع صعب ودقيق وسريالي وعبثي، فهو يتبنى الحوار، وذلك في غياب تام- أو شبه تام- لكل مقومات الحوار، ولكل شروطه الأساسية والحيوية..."[42]

إذاً،هذه هي أهم أنواع المقدمة التي يمكن الانطلاق منها لتقديم مقاربة دقيقة للنص المعطى أو العمل المقدم، بغية تشريحه وتركيبه: فهما، وتفسيرا، وتأويلا.

كيف نقارب المقدمـــة؟

يستلزم تحليل الخطاب المقدماتي منهجية معينة في الدراسة والتقويم.لذا، لابد من تحديد مجموعة من الخطوات الرئيسة لقراءة المقدمة، ويمكن حصرها في: البنية، والدلالة، والوظيفة، والقراءة السياقية.وينضاف إلى ذلك، تحديد زمن التقديم، وتبيان مكانه، وحجمه، وطبيعته، ومرسله، ومتلقيه، والإشارة إلى ظروف كتابته.ويعني كل هذا ضرورة تحديد عناصر التواصل المقدماتي من مرسل، ومرسل إليه، وقناة، ومرجع، ورسالة، وشفرة، وأيقون.وبعد ذلك، نبرز مختلف الوظائف التي يؤديها كل عنصر على حدة.وتعني البنية طبيعة النص المقدماتي، وشكله، وصيغته، وجنسه، وبنائه التركيبي والخطابي.بينما تحيل الدلالة على مختلف المعاني والقضايا التي تحبل بها المقدمة مباشرة أو غير مباشرة. أما الوظيفة فتشير إلى مختلف المقاصد الظاهرة والخفية التي تستهدفها المقدمة.أما المقصود بالقراءة السياقية أن نقرأ المقدمة في علاقة بالنص الرئيس، إما بطريقة أفقية، وإما بطريقة عمودية.

وعليه، فالمقاربة المناصية (paratextualité)أنسب منهجية لقراءة المقدمة وباقي العتبات الأخرى، فهي تنصب على مقاربة المقدمة في علاقتها مع النص. والنتائج التي تسعى إليها هذه المقاربة تبقى نسبية واحتمالية وتقريبية كذلك، ما دام اليقين غائبا حتى في العلوم الدقيقة والتجريبية. إن المقاربة في العلوم الإنسانية، وخاصة الأدبية منها، لا يمكن أن تصل إلى الحقيقة أو النتائج المطلقة. لذا، يبقى الافتراض أو الاحتمال هو سيد الموقف دائما؛ نظرا لتعقد الظواهر الأدبية، وتميزها بطابعها الواعي والإنساني.

ومن هنا، تدرس المقاربة المناصية النص أو العمل الأدبي في تفاعله مع المقدمة ، عبر العلاقات النصية والتناصية، وكذلك عبر التشابكات البنيوية والسيميوطيقية، حيث تنظر إلى المقدمة على أنها ، بمفردها، خطاب أو نص مستقل،بموازاة نص آخر، والعلاقة الموجودة بينهما، هي علاقة العموم والخصوص، أو علاقة الكل والجزء، أو علاقة الإجمال والتفصيل. فلا بد للمحلل أن يحلل النص أو العمل على أنه بنية مستقلة في حد ذاتها، وينظر كذلك إلى المقدمة على أنها خطاب وصفي مستقل، يتطلب تحليلا دقيقا بنية وتركيبا ودلالة وتداولا. ومن ثم، يحتاج التقديم إلى أدوات إجرائية جديدة، ومفاتيح أكثر كفاية ونجاعة، لاستنطاقه باعتباره نصا أو خطابا مستقلا، يحوي دلالات النص، ويفسر نشأته، ويستكشف أطروحاته المرجعية، ويستعرض قضاياه التخييلية والحجاجية والواقعية.

استنتاج تركيبي:

وخلاصة القول، يتبين لنا ، مما سبق ذكره، بأن المقدمة خطاب مستقل أو متصل بالمتن الرئيس، وهي بمثابة تمهيد للعمل ، يشرح فيه الكاتب أو المبدع تصوراته ونظرياته ورؤاه حول قضية معينة، معتمدا على سؤال العلة، وسؤال الكيف، وسؤال الهدف. وقد تتخذ هذه المقدمة صيغة سردية أو درامية أو شعرية. والمقدمة تقليد معروف في معظم الثقافات الإنسانية، وخاصة الثقافتين: الغربية والعربية، وذلك تنظيرا وتطبيقا.ومن ثم، فالمقدمة أنواع عدة، فهناك المقدمة المتصلة والمنفصلة، والمقدمة الذاتية والغيرية والمشتركة، والمقدمة التقريظية والنقدية والموازية، ومقدمة الشهادة والسجال. وغالبا ما تتميز المقدمة بكونها خطابا مستقلا منفصلا عن المتن، تحمل في طياتها أسئلة الكتابة ماهية وتعليلا وهدفا، وقد تكون بمثابة خطاب نقدي وصفي، إما تنظيرا وإما تطبيقا. بيد أن المقدمة ، باعتبارها عتبة موازية مهمة، في حاجة ماسة إلى الجمع، والتوثيق، والأرشفة، والتجنيس، وكل ذلك بغية دراستها، وتحليلها، وتقويمها، إن بنية، وإن دلالة، وإن مقصدية.

[1] - ابن منظور: لسان العرب، الجزء الحادي عشر،ضبط وتحشية: د.خالد رشيد القاضي، دار صبح بيروت ، لبنان، أديسوفت، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م، ص:59.

[2] - Gérard Genette : Seuils. Editions Seuil, coll. Poétique, Paris 1987. P : 183.

[3] - Gérard Genette : Seuils.P : 183.

[4] - عبد الحق بلعايد: عتبات، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان، ومنشورات الاختلاف، الجزائر، الطبعة الأولى سنة 2008م،ص:111.

[5] -- Gérard Genette : Ibid. P. 152.

[6] - Gérard Genette :Ibid,p :152.

[7] -د.شعيب حليفي: هوية العلامات، دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2005م، ص:54.

[8] - د.مصطفى سلوي: مصاحبات النص: في عتبة المقدمة كما فهمها العلماء المسلمون القدامى، عرض ألقي خلال أشغال الندوة العلمية التي عقدتها شعبة اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب، جامعة السلطان مولاي سليمان، بني ملال، في موضوع:(عتبات النص: نحو مقاربة أولية)، أيام:24-25-26 يناير2001م.ص:1.

[9] - محمد بن سلام الجمحي: طبقات فحول الشعراء، شرح: محمود محمد شاكر، دار المعارف للطباعة والنشر، القاهرة، مصر.

[10] - ابن قتيبة: الشعر والشعراء،دار الثقافة ، بيروت، لبنان، الطبعة الرابعة، 1980م.

[11] - المرزوقي: شرح ديوان الحماسة لأبي تمام، تحقيق: احمد أمين وعبد السلام محمد هارون، دار الجيل، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة1991م.

[12] - ابن خلدون: مقدمة ابن خلدون، المطبعة البهية، مصر، بدون تاريخ للطبعة.

[13] - د.شعيب حليفي: نفسه، ص:53.

[14] - د.مصطفى سلوي: مصاحبات النص: في عتبة المقدمة كما فهمها العلماء المسلمون القدامى، ص:7.

[15] - محمد بنيس: الشعر العربي الحديث: بنياته وإبدالاتها، الجزء الأول، التقليدية، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1989م، ص 85.

[16] - جورجي زيدان: (مقدمة)، الحجاج بن يوسف، مطابع الهلال، القاهرة، مصر، 1913م.

[17] - محمد كامل الخطيب: نظرية الرواية، وزارة الثقافة، دمشق، سورية، الطبعة الأولى سنة 1990م.

[18] -Genette (Gérard) : Palimpsestes, Paris, seuil, 1972.

[19] - Genette (Gérard): Seuils, Paris seuil 1987.

[20] - Charles (Michel) : Rhétorique de la lecture, Paris, seuil, 1979.

[21] - Derrida (Jacques): (Hors livre, dans ID), La dissémination, Paris, Seuil 1972, pp : 7-67.

[22] - Duchet (Claude): « Illusion historique: l’enseignement des préfaces (1815-1932), Revue :d’histoire Littérature de la France (1975), p p : 245-267.

[23] - Hamon (Philippe): « texte littéraire et méta-langage », Poétique, 31 ,(1977), pp : 261-284.

[24] - Mitterrand (Henri): "Le discours préfaciel », dans la lecture sociologique du texte romanesque, Toronto, Stevens et Hakkert, 1975, pp : 3-13.

[25] - IDT (Geneviève) : « Fonction rituelle du métalangage dans les préfaces hétérographes", Littérature, 27 (1977), pp : 65-74.

[26] - Le Cointre (Simonne), Legallot (Jean): "texte et paratexte, essai sur la préface du roman classique", dans Panorama sémiotique, la Hague- Paris, New York, Mouton, 1979, pp : 660-670.

[27] -Avni. (Ora) : « Dico Vobis : préface, pacte, pari », Romanic Review75, 1984, pp : 119-130.

[28] - Collard (Patrick) : « le récit et son prologue dans EL siglo de las luces d’Alejo Carpentier » dans F.Hallyn .Ed Onze études sur la mise en abyme, Romanica Gandinsia, 17, 1980, pp : 83-100.

[29]- A regarder : Maurice de la Croix et Fernand Hallyn : Méthode de texte. Duclot, Paris 1987.

[30] - د. محمد بنيس: الشعر العربي الحديث: بنياته وإبدالاتها، الجزء الأول، التقليدية، ص: 77.

[31] - د. عبد الفتاح الحجمري: عتبات النص البنية والدلالة، شركة الرابطة، الطبعة الأولى سنة 1996م.

[32] - عبد الرحيم العلام : (الخطاب المقدماتي في الرواية المغربية)، مجلة علامات، المغرب، العدد 8/1997م.

[33] - عبد الحق بلعايد: عتبات(جيرار جنيت من النص إلى المناص)، الدار العربية للعلوم ناشرون ومنشورات الاختلاف، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2008م.

[34] -د.شعيب حليفي: نفسه، صص:47-90.

[35] - السعدية الشادلي: الخطاب المقدماتي الروائي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1998م.

[36] - نبيل منصر: الخطاب الموازي للقصيدة العربية المعاصرة، دار توبقال، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2007م.

[37] - عبد الرزاق بلال: مدخل إلى عتبات النص(دراسة في مقدمات النقد العربي)، دار أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2000م.

[38] - د. عبد العالي بوطيب، (برج السعود- وإشكالية العلاقة بين الروائي والتاريخي)، مجلة المناهل، المغرب، العدد55/السنة22، يونيو 1997م.

[39] - د.مصطفى سلوي: عتبات النص، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الأول بوجدة، المغرب، سل.بحوث ودراسات:22،مطبعة شمس، وجدة، الطبعة الأولى 2003م.

[40] - د.شعيب حليفي: نفسه، ص:64.

[41] - د.شعيب حليفي: نفسه، ص:64.

[42] - عبد الكريم برشيد: الاحتفالية: مواقف ومواقف مضادة، منشورات نقابة الأدباء والباحثين المغاربة، إصدارات أمنية للإبداع والتواصل الفني والأدبي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، سنة 2010م، ص:24.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية
إضافة تعليق سريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *
 
TO  cool  dry 
عربي  mad  ohmy 
huh  sad  smile 
wub 

طول النص يجب ان يكون
أقل من : 30000 حرف
إختبار الطول
تبقى لك :

   

Copyright@alrafedein.com 2011 - arabportal modified by RightPC Tech